التحليل الاقتصادي
24.03.2026
أظهرت التقديرات الأولية الصادرة عن الإدارة المركزية للإحصاء أن اقتصاد الكويت حقق نمواً سنوياً بلغ 4.7% في الربع الثالث من عام 2025. وقد تسارع نمو القطاع غير النفطي بشكل ملحوظ، مع تسجيل قطاعات الضيافة والاتصالات والعقارات والخدمات التجارية والنقل أداءً قوياً. وفي الوقت ذاته، سجّل الناتج المحلي النفطي أول نمو سنوي متتالٍ منذ مطلع 2023، بدعم من سياسات "أوبك". كنا قد توقعنا سابقاً أن يتسارع نمو الناتج المحلي الإجمالي من 2.3% لعام 2025 بالكامل إلى 4.5% في عام 2026. إلا أنّ صورة النمو قد تغيّرت بوضوح وبشكل كبير منذ اندلاع الصراع بين الولايات المتحدة وإيران في أواخر فبراير 2026، مع انعكاسات خاصة على آفاق القطاع النفطي.
أعلى وتيرة نمو للقطاع غير النفطي منذ أربع سنوات
تسارع نمو الناتج المحلي غير النفطي إلى 6.5% على أساس سنوي في الربع الثالث من 2025، مقارنة بـ 3.7% بعد المراجعة في الربع الثاني، وذلك بفضل توسع قوي في معظم القطاعات، إضافة إلى تأثير سنة الأساس نتيجة ضعف الأداء قبل عام (الرسم البياني 1). وقد ساهمت قطاعات الاتصالات (+13.2%) والعقارات والخدمات التجارية (+11.5%) والصحة والرعاية الاجتماعية (+8.8%) في دفع النمو (الرسم البياني 2). كما سجل قطاع الوساطة المالية والتأمين – ثاني أكبر مكونات الاقتصاد غير النفطي – نمواً بنسبة 3.8%، مستعيداً خسارته المؤقتة في الربع السابق. وشهدت قطاعات النقل والمطاعم والفنادق نمواً مزدوج الرقم رغم صغر حجمها النسبي. وفي المقابل، تراجعت فقط قطاعات الكهرباء والغاز والمياه وخدمات المجتمع والأفراد، بينما سجلت الإدارة العامة والدفاع – أكبر مكونات القطاع غير النفطي – نمواً طفيفاً.
الناتج النفطي يعزز عودته إلى النمو بدعم من تخفيف مجموعة الثمانية ضمن أوبك+ لقيود الإنتاج
حقق القطاع النفطي نمواً سنوياً بلغ 2.9% في الربع الثالث من 2025، مسجلاً أول نمو متتالٍ منذ الربع الأول 2023. وقد بدأ تعافي النفط في أبريل 2025 مع شروع دول "أوبك+" في التراجع التدريجي عن خفض طوعي سابق بلغ 2.2 مليون برميل يومياً، كان نصيب الكويت منه 135 ألف برميل يومياً. وتشير بيانات “أوبك” إلى أن متوسط إنتاج الكويت النفطي ارتفع خلال الربع إلى 2.483 مليون برميل يومياً بزيادة 70 ألف برميل (الرسم البياني 3). واصلت الكويت زيادة الإنتاج حتى نهاية عام 2025، مع بدء أوبك في التراجع عن شريحة أخرى من التخفيضات خلال الربع الرابع من عام 2025، وهي التخفيضات التي كانت تلزم الكويت بخفض إنتاجها النفطي بمقدار 128 ألف برميل يومياً. وبناءً على ذلك، من المتوقع أن يستمر النمو السنوي في هذا المجال خلال الربع الرابع من عام 2025.
تسارع نمو الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثالث، مع رفع تقديرات النمو لعام 2024 والنصف الأول من عام 2025
ارتفع الناتج المحلي الإجمالي الكلي بنسبة 4.7% على أساس سنوي في الربع الثالث 2025، بدعم من النشاط غير النفطي القوي وزيادة إنتاج النفط. ويُعد هذا تحسناً واضحاً مقارنة بالربع السابق (2% بعد المراجعة) وتعافياً كبيراً من الانكماش البالغ -2.9% في الربع نفسه من 2024. وبذلك ارتفع الناتج المحلي خلال الأرباع الثلاثة الأولى من 2025 بنسبة 2.8%، ما يعزز احتمالات تجاوز التوقعات السابقة للنمو السنوي عند 2.3%.
تضمّن الإصدار الأخير مراجعات مهمة لبيانات النمو السابقة. فقد جرى تعديل نمو الناتج المحلي لعام 2024 إلى -1.5% بدلاً من -2.6%، مع تحسين كل ربع من السنة (الرسم البياني 5). وبذلك تُظهر البيانات أن الاقتصاد عاد إلى النمو في الربع الرابع 2024 وليس الربع الأول 2025 كما كان مُقدراً. وشملت المراجعات جميع القطاعات تقريباً، مع ارتفاع كبير في تقديرات قطاع الاتصالات (من 4.8% إلى 13.7%) والصناعة التحويلية (من 0.7% إلى 6.3%)، مما رفع نمو القطاع غير النفطي إلى 3.7% بدلاً من 1.7%. أما التعديلات على القطاع النفطي فكانت طفيفة. وفي النصف الأول من 2025، ارتفع نمو الصناعة من 2.3% إلى 5.4%، ما رفع نمو القطاع غير النفطي إلى 3.6% والنمو الكلي إلى 1.9%. وتشير هذه المراجعات المتكررة إلى أداء اقتصادي أقوى مما كان مقدّراً في السابق.
بيانات الإنفاق تكشف عن تراجع حاد في الاستثمار خلال 2024
وفي الوقت ذاته، تكشف البيانات الأخيرة للناتج المحلي حسب الإنفاق عن ضعف لافت في نشاط الاستثمار خلال 2024، إذ انكمش إجمالي الاستثمار الحقيقي بنسبة 18.3%، لتنخفض مساهمته في الناتج المحلي إلى 15%، وهو أدنى مستوى منذ 2010 باستثناء فترة الجائحة خلال الأعوام 2020-2021 (الرسم البياني 6). واستقر نمو استهلاك القطاع الخاص عند 2.6%، بينما تباطأ نمو الإنفاق الحكومي إلى 2.3% مقارنة بـ 4.2% في 2023.
كما تراجع أداء القطاع الخارجي مع انخفاض الصادرات بنسبة 3.2% نتيجة تراجع صادرات النفط المتأثرة بخفض الإنتاج. ولإنجاح برامج الإصلاح وتحقيق أهداف التنويع الاقتصادي، سيكون من الضروري رفع حجم الاستثمار بشكل ملموس. وفي هذا الإطار، يشكّل إسناد المشروعات الكبرى وزيادة مخصصات الإنفاق الرأسمالي في الموازنة خطوة إيجابية، مع توقع تحسن ملحوظ في الأداء مقارنة بعام 2024.
الصراع في الشرق الأوسط يضيف درجة كبيرة من عدم اليقين إلى آفاق النمو
وعند النظر إلى المستقبل، فقد أدّت الاضطرابات الجيوسياسية الأخيرة إلى تحويل النظرة الاقتصادية المحلية، التي كانت إيجابية في السابق، إلى أخرى تتّسم بحالة ممتدّة من عدم اليقين. فقد كانت وتيرة تقدّم برنامج الإصلاح الحكومي، بما في ذلك زيادة الإنفاق على المشاريع الرأسمالية مثل المرحلتين الثانية والثالثة من مشروع الزور لإنتاج المياه والطاقة، والمرحلة الثانية من ميناء مبارك الكبير، ومحطة معالجة مياه الصرف الصحي في كبد – وتبلغ قيمة كلٍّ منها مليار دينار– تشير إلى وجود نية قوية لدى الحكومة لتسريع تنفيذ المشاريع التنموية، بما يدعم تحسّن الآفاق الاقتصادية. كما تضمّنت مسودة موازنة الحكومة للسنة المالية 2026/2027 زيادة بنسبة 37% على أساس سنوي في المخصصات الرأسمالية لتصل إلى 3.1 مليار دينار، وهو مستوى لم يُسجَّل منذ عام 2021. وفي الوقت نفسه، انخفضت أسعار الفائدة بمقدار 50 نقطة أساس إضافية خلال النصف الثاني من عام 2025، مما دعم النمو القوي في الائتمان والقطاع الاستهلاكي بشكل عام. غير أن الصراع الإقليمي الحالي يبدو أنه سيؤثر سلباً على آفاق الاقتصاد الكويتي، ولا سيما قطاع النفط، في ظل توقف الصادرات، وإغلاق بعض الإنتاج، وتقلبات أسعار النفط.