موجز أسواق النفط
10.05.2026
لا يزال وقف إطلاق النار الهش بين الولايات المتحدة وإيران قائمًا، والذي شهدت أسعار النفط خلاله تراجعًا لنحو 100 دولار للبرميل بعد أن بلغت ذروة يومية هي الأعلى منذ أربع سنوات عند 126 دولارًا للبرميل في أواخر أبريل. ومع ذلك، فقد أحدث الصراع وإغلاق إيران لمضيق هرمز اضطراباً كبيراً في أسواق النفط، إذ تم إيقاف صادرات بحرية بنحو 15 مليون برميل يوميًا ونتج عن ذلك ما وصفته وكالة الطاقة الدولية بأنه أكبر أزمة طاقة في التاريخ، وانتهى الأمر بسحب منسق وكبير من المخزونات النفطية العالمية. وتؤدي الأسعار المرتفعة وندرة المعروض الى ضغوط قوية على الطلب على النفط الخام ومشتقاته، ولا سيما في قطاع الطيران. ولا تملك "الأوبك+" والتي تتركز تقريبًا كامل طاقتها الفائضة في الخليج، ولا النفط الصخري الامريكي القدرة على سد هذا العجز. وكلما طال إغلاق مضيق هرمز تعمقت التداعيات الاقتصادية على منتجي النفط والمستهلكين والاقتصاد العالمي بصورة أكثر شمولية.
الأسعار تتراجع لكنها تبقى مرتفعة بسبب الاضطرابات المرتبطة بالصراع والمعروض
أدى اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران وما تبعه من إغلاق إيران لمضيق هرمز أمام جميع الدول باستثناء قلة من الدول "الصديقة" إلى قلب أسواق النفط رأسًا على عقب والتسبب في تقلبات لم تشهدها الأسواق منذ تصاعد النزاع بين روسيا وأوكرانيا في عام 2022. ومع تقييم الأسواق لاحتمال تعطل خمس التجارة النفطية البحرية العالمية وحدوث صدمة طاقة فاقت في حدتها حتى حظر النفط العربي في عام 1973، فقد تجاوزت عقود خام برنت الآجلة لفترة وجيزة مستوى 120 دولارًا للبرميل في تداولات مارس اليومية، بعد أن كانت دون 70 دولارًا في منتصف فبراير (الرسم البياني 1). كما انخفضت صادرات النفط الإقليمية بما يصل إلى 15 مليون برميل يوميًا، إذ اضطرت الدول المنتجة التي لم تجد منفذًا لتصدير نفطها إلى إيقاف الإنتاج بعد نفاد المساحات التخزينية المتاحة. ورغم التوصل إلى وقف لإطلاق النار في الثامن من أبريل غير أن مضيق هرمز بقي مغلقاً فعلياً. وحتى منتصف مايو ورغم التقارير عن قرب التوصل لاختراق دبلوماسي، لم تتحقق انفراجه ملموسة بينما يسعى طرفا الصراع لردم الفجوة الواسعة بين إيران والولايات المتحدة، ولا سيما فيما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني. وفي الوقت نفسه تحوّل منحنى عقود برنت الآجلة إلى الصعود بشكل ملحوظ ليعكس حدة صدمة المعروض (الرسم البياني 2). واتسعت فروق الأسعار الزمنية لعقود الشهر الأول مقابل الشهر الثاني إلى مستوى قياسي بلغ 14.4 دولارًا للبرميل في مارس، كما قفزت فروق برنت لمدة عام واحد إلى ما يصل إلى 42.3 دولارًا للبرميل. وبقيت هاتان النسبتان مرتفعتين حتى أوائل مايو، مما يسلط الضوء على العلاوة المرتبطة بتأمين براميل النفط في الأجل القريب.
أسواق العقود الآجلة تقلل من حدة خسائر المعروض
ومع ذلك، كان التباين واضحًا بين سوق العقود الآجلة التي تهيمن عليها المضاربات وبين السوق الفعلية أو الفورية إذ يتم تسليم براميل نفط حقيقية ضمن إطار زمني أقصر بكثير يتراوح بين أسبوعين وأربعة أسابيع. فقد قفز سعر خام برنت المؤرخ وهو السعر القياسي في السوق الفعلية إلى أكثر من 144 دولارًا للبرميل في أوائل أبريل، وهو أعلى مستوى على الإطلاق، مما فتح علاوة تجاوزت 30 دولارًا فوق عقود برنت الآجلة في ذلك اليوم. كما تعكس أسعار التسليم الفوري لبراميل النفط الإقليمية من خام عرب لايت السعودي الذي تجاوز 140 دولارًا للبرميل في مارس، إلى خام التصدير الكويتي الذي كان معظم إنتاجه غير متاح وبلغ سعره 164 دولارًا للبرميل، مدى التباعد بين الأسعار المتداولة والأسعار الفعلية. ويكمن القلق في أن الاسعار التي تدفعها المصافي تمثل بصورة أدق حجم خسائر المعروض وأن الاسعار الآجلة الأكثر تداولا واقتباسًا قد تضطر في مرحلة لاحقة إلى اللحاق بمستويات أسعار أعلى.
أكبر صدمة معروض في التاريخ استدعت أكبر سحب من المخزونات العالمية على الإطلاق
وللمساعدة في التخفيف من صدمة المعروض، اتفقت الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية في مارس على الإفراج عن 400 مليون برميل من احتياطاتها البترولية الاستراتيجية، وهو أكبر إفراج منسق في التاريخ مع مساهمة الولايات المتحدة بالحصة الأكبر عند 173 مليون برميل، على أن يتم التسليم خلال فترة تتراوح بين شهرين وثلاثة أشهر. وفي الوقت نفسه، قامت الولايات المتحدة بتخفيف ورفع بعض العقوبات مؤقتًا عن النفط الإيراني في البحر وتدفقات النفط الروسي، كل على حدة، كما علًقت تطبيق قانون جونز الخاص بها لمدة ستين يومًا لتسهيل حركة السوق التي كانت تتجه نحو مزيد من الشح.
تساعد هذه الإجراءات، إضافة إلى الفوائض العائمة، في تفسير سبب عدم وصول الارتفاعات السعرية حتى الآن لذروة عام 2022، رغم أن حجم النفط الخارج من السوق هذه المرة أكبر بعدة أضعاف مما كان عليه خلال صراع روسيا وأوكرانيا. ومع ذلك، فقد تم تحديد سقف الإفراجات العالمية عند نحو 6 ملايين برميل يوميًا، وهو غير كاف لسد الفجوة بين الطلب العالمي غير المرن لحد كبير والصادرات المتعطلة التي تقارب 15 مليون برميل يوميًا، مما يترك عجزًا كبيرًا في ميزان السوق. وتعكس بيانات المخزون هذا الضغط، إذ انخفضت المخزونات النفطية العالمية إلى 8.13 مليار برميل في مارس عقب سحب كبير بلغ 205 مليون برميل خلال الشهر، أي بمعدل 6.6 مليون برميل يوميًا من المخزونات خارج الشرق الأوسط (الرسم البياني 3).
وكالة الطاقة الدولية تتوقع أول انكماش في الطلب على النفط منذ جائحة كوفيد-19
قامت وكالة الطاقة الدولية في تقريرها لسوق النفط الصادر في أبريل بخفض توقعات نمو الطلب على النفط في عام 2026 بمقدار كبير بلغ 730 ألف برميل يوميًا مقارنة بتقديرات مارس، وهو أكبر خفض منذ جائحة كوفيد 19 في عام 2020. وترى الوكالة الآن أن الطلب على النفط سينكمش بمعدل 80 ألف برميل يوميًا في المتوسط هذا العام مقابل زيادة بلغت 0.8 مليون برميل يوميًا في عام 2025، مع تأثر الاستهلاك النفطي بشكل خاص في الشرق الأوسط وآسيا والمحيط الهادئ من خلال انخفاض استخدام النافتا وغاز البترول المسال ووقود الطائرات، وهو ما يعكس جزئيًا تخفيضات في إنتاج البتروكيماويات الآسيوية (الرسم البياني 4).
كما تحذّر وكالة الطاقة الدولية من اتّساع نطاق تدمير الطلب، إذ غالبًا ما يتم إغفال الارتفاعات الحادّة في أسعار المنتجات النفطية المُكرَّرة والغاز الطبيعي بسبب تركيز الأسواق على أسعار النفط الخام، رغم أن هذه الارتفاعات كانت، في كثير من الحالات، أشدّ حِدّة، لأنها تعكس خسائر فعلية في إمدادات هذه المنتجات نتيجة توقّف تصديرها من المصدر، لا لمجرد كونها مشتقات عن النفط الخام، أو بسبب خفض معدلات تشغيل المصافي. وارتفعت أسعار المقطرات المتوسطة بشكل حاد في مارس كما بقيت عند مستويات تاريخية مرتفعة في أبريل. وقفزت عقود الديزل الأمريكية لنحو 4 دولارات للجالون، بينما شهدت أسواق وقود الطائرات ضغوطًا أكبر، إذ تجاوزت أسعار الجملة في شيكاغو 5 دولار/ جالون لفترة وجيزة في أوائل أبريل، أي نحو ضعف مستوياتها قبل الصراع. وظهرت أنماط مماثلة في أوروبا وآسيا، إذ تشددت أسواق زيت الغاز ووقود الطائرات وسط الاعتماد المتزايد على الواردات الأمريكية ومحدودية إمدادات الخليج وتراجع معدلات تشغيل المصافي.
تعطل ثلثي إمدادات النفط الإقليمية
أدت تهديدات إيران لحركة الشحن في مضيق هرمز، إلى جانب الحصار البحري الأمريكي للسفن الإيرانية، لفقدان ما يقدر بنحو 15 مليون برميل يوميًا من تدفقات النفط الخام والمنتجات المنقولة بحرًا، وهو ما يزيد على ثلثي الأحجام المسجلة قبل الحرب، وذلك بعد احتساب تحويل بعض الصادرات عبر مسارات برية بديلة، إذ لم تتمكن سوى السعودية التي تمتلك خط أنابيب شرق غرب بسعة 7 ملايين برميل يوميًا إلى ميناء ينبع، والإمارات التي تمتلك خط أنابيب حبشان الفجيرة بسعة 1.5 مليون برميل يوميًا، من تجاوز المضيق، غير أن ميناء ينبع لا يستطيع مناولة سوى 4.5 ملايين برميل يوميًا من شحنات النفط الخام. وفي الوقت نفسه، توقفت صادرات النفط الخام من إيران نتيجة للحصار البحري الأمريكي في أوائل أبريل، مما أخرج نحو مليوني برميل يوميًا إضافية من السوق. وسلطت "أوبك" في تقريرها الشهري لسوق النفط الصادر في أبريل الضوء على حجم هذا التعطل، إذ انخفض إنتاج دول إعلان التعاون (شاملاً إنتاج الإمارات) بمقدار 7.7 ملايين برميل يوميًا ليصل إلى 35.1 مليون برميل يوميًا في مارس بقيادة تراجعات شهرية حادة في العراق بمقدار 2.6 مليون برميل يوميًا والسعودية بمقدار 2.3 مليون برميل يوميًا وفقًا لبيانات مصادر أوبك الثانوية (الرسم البياني 5). كما تم خفض إنتاج الكويت بنسبة 53% ليصل إلى 1.2 مليون برميل يوميًا في مارس في ظل غياب مسارات تصدير بديلة. وقد أعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة أنها ستغادر منظمة أوبك اعتباراً من 1 مايو، مما يعني انها لن تكون خاضعة لحصص أوبك الإنتاجية في المستقبل.
ونظرًا لحجم تعطل إمدادات النفط، ظهرت تعويضات جزئية من خارج نطاق المنتجين الكبار والمحوريين في الشرق الأوسط. فداخل تحالف "أوبك+" زاد إنتاج فنزويلا بنحو 165 ألف برميل يوميًا بين يناير ومارس ليصل إلى قرابة مليون برميل يوميًا مع تجاوز الصادرات حسب التقارير 1.2 مليون برميل يوميًا في أبريل. كما تعافى إنتاج كازاخستان ليصل إلى 1.73 مليون برميل يوميًا في مارس مع حل معظم الأعطال المرتبطة بحقل تنغيز. وخارج "أوبك+" بقي إجمالي إنتاج النفط الخام الأمريكي مستقرًا إلى حد كبير عند 13.6 مليون برميل يوميًا، وهو ما يعكس على الأرجح حالة عدم اليقين العامة المحيطة بالصراع وطول الفترات المطلوبة لزيادة الإنتاج. ومع ذلك، فقد قفز إجمالي صادرات النفط الأمريكية بما في ذلك المنتجات البترولية إلى مستويات قياسية، إذ قام المنتجون الأمريكيون بالسحب من المخزونات، وخاصة النفط الخام والبنزين والمقطرات، للاستفادة من الأسعار المرتفعة.
ارتفاع أسعار النفط يهدد النمو الاقتصادي العالمي وقد يعزز الأوضاع المالية لبعض المصدّرين
إن التعطل غير المسبوق في إمدادات النفط العالمية، والمتركز في الخليج، خلّف تأثيرات متشعبة تجاوزت النفط والمنطقة بكثير. فقد تم استخدام المخزونات العالمية على نطاق غير مسبوق وتم البحث عن إمدادات من خارج المنطقة، وعندما تبين أنها غير كافية لتلبية الطلب في ظل حجم الخسارة في المعروض، كان لا بد للأسعار أن ترتفع بشكل كبير لسد الفجوة. وتمتد التداعيات الاقتصادية عبر قطاعات النقل والطاقة والبلاستيك والزراعة مع تصاعد المخاوف من ركود اقتصادي عالمي محتمل كلما طال إغلاق مضيق هرمز. وفي ظل صعود الأسعار، قد تكون التداعيات المالية إيجابية لمنتجي النفط الإقليميين القادرين على التصدير عبر مسارات بديلة مثل السعودية والإمارات وعمان، رغم تأثر النشاط الاقتصادي الأوسع سلبًا بالصراع. ومع ذلك، تبقى الأوضاع الجيو-استراتيجية هشة وشديدة عدم اليقين، إذ ما يزال وقف إطلاق النار صامداً رغم هجمات محدودة النطاق على السفن داخل المضيق، في حين قد تشير إشارات دبلوماسية إيجابية إلى نهاية محتملة للصراع وعودة تدريجية للنشاط الملاحي الطبيعي في المنطقة.